فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
محرماً بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة وقوله : * ( حرمت عليكم الميتة والدم ) * عام والخاص مقدم على العام ، أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قوله : * ( قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً ) * ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية ، بل على أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء ، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها ، فلعل قوله تعالى : * ( إنما حرم عليكم الميتة ) * نزلت بعد ذلك ، فكان ذلك بياناً لتحريم الدم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح ، إذا ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جميع الدماء ونجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما أمكن ، وكذا في السمك ، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنه ينجس ذلك المورود . المسألة الثانية : اختلفوا في قوله عليه الصلاة والسلام : " أحلت لنا ميتتان ودمان الطحال والكبد " هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحاً أم لا ؟ فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم وكذا الطحال وإنما يوصفان بذلك تشبيهاً ، ومنهم من يقول هو كالدم الجامد ويستدل عليه بالحديث . الفصل الثالث في الخنزير ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم ، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الانتفاع متعلق به ، وهو كقوله : * ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) * ( الجمعة : 9 ) فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم ، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمة وتنجيسه ، واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز ، فقال أبو حنيفة ومحمد : يجوز ، وقال الشافعي رحمه الله : لا يجوز ، وقال أبو يوسف : أكره الخرز به ، وروى عنه الإباحة ، حجة أبي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير ظهر منهم ، ولأن الحاجة ماسة إليه ، وإذا قال الشافعي في دم البراغيث ، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الاحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به ؟ . المسألة الثانية : اختلفوا في خنزير الماء ، قال ابن أبي ليلى ومالك والشافعي والأوزاعي : لا بأس يأكل شيء يكون في البحر ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل ، حجة الشافعي قوله تعالى : * ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) * ( المائدة : 96 ) وحجة أبي حنيفة أن هذا خنزير فيحرم لقوله تعالى : * ( حرمت